السيد كاظم الحائري

634

تزكية النفس

الإلهيّة التجريديّة . أمّا لو كان العاصي غير واصل إلى مستوى حرمانه من تلك الرحمة التجريديّة ، فهو مشمول لرحمة الربّ ، وقد تشمله شفاعة الشفيع أيضا . فهذا الاعتراض قد ينتج من الخلط بين رحمة الربّ المجرّدة عن شوائب التأثّرات العاطفيّة ، ورحمة الشفيع الناتجة من صفة الرقّة المخصوصة بالإنسان ومنهم الشفعاء ، والمنزّهة عنه ساحة الربّ . وأيضا قد يكون للعاصي حقّ أخلاقيّ على الشفيع ، وهذا الحقّ اقتضى مكافأته من قبل الشفيع بطلب العفو من اللّه تعالى ، فأصبح العفو عنه متوقّفا على الشفاعة . الثالث : أنّ الشفاعة نوع استثناء وتبعيض بين المذنبين ، وهو خلاف العدل أو الحكمة . والجواب : أوّلا : يمكن افتراض عدم التبعيض ، وذلك بشمول شفاعة الشافعين لكلّ مذنب بقيت له أرضيّة الشفاعة ، إمّا ابتداء أو بعد فترة من العذاب ، ولا يحرم منها إلّا الذي أفنت ذنوبه أيّ أرضيّة وقابليّة له للشفاعة . وثانيا : لو فرض التبعيض كما لو لم تشمل شفاعة الشافعين بعض من كان بالإمكان شمولها له ، لم يكن هذا خلاف العدل أو الحكمة ؛ لأنّ قبول الشفاعة من قبل اللّه تعالى إنّما هو مكافأة للشفيع على أعماله الصالحة ، وليس مكافأة للمشفوع له كي يرجع ذلك إلى التبعيض بين المذنبين ، كما أنّ فرض تبعيض الشفيع للمذنبين المؤهّلين لقبول الشفاعة - أيضا - ليس قبيحا أو خلاف الحكمة ؛ فإنّ الشفاعة كانت فضلا من الشفيع لا حقّا واجبا عليه ، وقد يختصّ ملاك الفضل - كحقّ المشفوع له الأخلاقي على الشفيع - ببعض دون بعض . الرابع : أنّ القول بالشفاعة يستلزم الاعتقاد بأنّ اللّه يقع تحت تأثير الشفيع ، ويتبدّل غضبه بالرحمة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا .